عبد الملك الجويني

16

الشامل في أصول الدين

الأعراض وحدوثها ، واستحالة تعري الجواهر منها مع العلم باستحالة حوادث لا أول لها . فيستحيل أن يعلم الناظر ما ذكرناه ، ويعلم أن ما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها ، ثم يعتقد قدم العالم ، وهكذا تقدير القول في كل دليل . وما كان سبيله سبيل العادات ، فلا يبعد في جواز العقل خروجه عن وصفه ، وهذا كما أن الشبع لما ترتب على تناول الطعام عادة ، لم يستحل في العقل تقدير الأكل من غير استعقاب شبع . والذي يوضح فساد هذا القسم أيضا أن القول مؤد إلى جحد النظر - فإنا مهما اعترفنا بأن النظر لا يتضمن العلم عقلا ، ونحن نعلم أن كل ناظر لا يعلم في مجرى العادة بل العادات تختلف - ففي إبداء ذلك جحد اقتضاء النظر العلم من قبيل العقل ، ثم لا تطرد فيه عادة ، فوضح بطلان هذا القسم . وإن سلم الأستاذ أن النظر الصحيح يتضمن العلم عقلا ، وهو الظن به ، ففيه إبطال كل ما عول عليه . فإنه لو ساغ تقدير علم بلا نظر سابق مع كون العلم مكتسبا ساغ ، تقدير نظر بلا علم لاحق مع التذكر وانتفاء الآفات . ومما يلزم الأستاذ على ما قاله أن نقول : من اعتقد ثبوت الصانع ، وأنكر الحجاج ، ولم ينظر أصلا ، وركن إلى التقليد في قواعد التوحيد ، وادعى علما مكتسبا ، فمن مذهب الأستاذ أنه مأمور بالنظر والاستدلال ، وأن المقلدين غير عارفين باللّه تعالى . ثم نقول للأستاذ : إذا جوزت ثبوت علم من غير دليل ، فما يؤمنك أن تكون من العلماء المكتسبين لعلومهم ، وإن لم تنظر ولم تستدل ؟ ولا انفصال عن سؤالهم . هذا على اعتقاد الأستاذ . وأما ما تمسك به من أنه إذا جاز تقدير العلم ضروريا من غير نظر سابق ، وجب تجويز علم مقدور من غير نظر سابق . وهذا الذي قاله دعوى ، فهو مطالب بتصحيحها . فيقال له : لم قست جواز وقوع المقدور على جواز وقوع الضروري ؟ ولو ساغ إطلاق مثل هذه الدعوى ، فبم تنكر على من يعارضك مثلها في بيان مقصدك ؟ فنقول : إذا لم يجز وقوع النظر صحيحا غير مرتبط بالعلم ، لم يجز تقدير العلم المقدور غير مرتبط بالنظر . والذي قلناه أولى مما أبداه . وهذا متفق عليه بين المحققين ، وهو أن من ادّعى في الحوادث صفة زائدة على الصفات المضبوطة للعقلاء ، كان قوله مردودا قطعا . ووجه الرد عليه أن ما ادعاه لم يعلم ضرورة ، ولم يتوصل إليه نظرا . وكل ما لا يعلم اضطرارا ، فواجب ارتباطه بالنظر . وهذا لا يستقيم على أصل الأستاذ . فإن للسائل على